عمر فروخ
675
تاريخ الأدب العربي
يلقى غريمكم من غير عسرتكم * بالبذل بخلا وبالإحسان حرمانا « 1 » . قد خنت من لم يكن يخشى خيانتكم ؛ * ما كنت أوّل موثوق به خانا . لقد كتمت الهوى حتى تهيّمني ؛ * لا أستطيع لهذا الحب كتمانا « 2 » . كاد الهوى يوم سلمانين يقتلني ، * وكاد يقتلني يوما ببيدانا . لا بارك اللّه في من كان يحسبكم * إلّا على العهد حتى كان ما كانا . لا بارك اللّه في الدنيا إذا انقطعت * أسباب دنياك من أسباب دنيانا « 3 » . ما أحدث الدهر مما تعلمين لكم * للحبل صرما ولا للعهد نسيانا « 4 » . إنّ العيون التي في طرفها حور * قتلننا ثم لم يحيين قتلانا « 5 » : يصرعن ذا اللبّ حتى لا حراك به ، * وهنّ أضعف خلق اللّه أركانا ! يا حبّذا جبل الرّيّان من جبل ، * وحبذا ساكن الرّيّان من كانا ، وحبذا نفحات من يمانية * تأتيك من قبل الريان أحيانا « 6 » . ثم يلتفت جرير إلى هجاء الشعراء ويخصّ بالهجاء الأخطل . والهجاء في هذه القصيدة عفيف اللفظ والمعنى بخلاف ما نعرف من قصائد الهجاء الأخرى التي لا تخلو عادة من الاقذاع . يقول جرير : ما يدّري شعراء الناس ، ويحهم ، * من صولة المخدر العادي بخفّانا « 7 » .
--> ( 1 ) الغريم : الدائن ، وهنا : المحب . أنت تستطيعين أن تبذلي لي قربك ولكنك لا تفعلين . وأنا أبذل نفسي لك وأنت تبخلين علي . وأنا أحسن في محبتك وأنث تحرمينني . - هذا البيت مبني على إشارة إلى القرآن الكريم في حق الدائن والمدين : وان كان ذو عسرة فنظرة ( بفتح النون وكسر الظاء ) إلى ميسرة ( سورة البقرة 280 ) . ( 2 ) تهيمني الحب : كاد يذهب بعقلي . ( 3 ) لا لذة للعيش إذا ابتعدت عنك . ( 4 ) الصرم : القطع ، الهجر ، البعد . ( 5 ) الحور : شدة بياض بياض العين وشدة اسوداد سوادها . يحيين فعل مضارع مبني على السكون في محل جزم بحرف الجزم لم ؛ والنون نون النسوة وهي فاعل . ( 6 ) ما أحلى النسيم الذي يأتي من الجنوب ( من جهة اليمن ) . ( 7 ) يدري الصيد : يختله ( يحاول أن يمسكه على غفلة ) . الصولة : الهجمة ، الوثبة ، السطوة . المخدر : ( الأسد ) الساكن في الأجمة أو العرين . العادي : الأسد ، العدو ، الظالم . خفان : مأسدة ( مكان يكثير فيه الأسود ) في طريق الكوفة . - ما يأمل هؤلاء الشعراء أن ينالوا بهجاء جرير ( إلا كما يأمل الناس من صيد الأسد المخدر ، الشديد الصولة والسطوة ) .